معالجة ثانية
الأيديولوجيا هي تحويل منظومات الأفكار إلى مشاريع للتحكم بالواقع والسيطرة عليه بغية الوصول به إلى الأفضل. الدين يمكن أن يصبح مشروعا لتوجيه الواقع باتجاه معين، السياسة كذلك، العلم أيضا قد يؤدلج، وكذا الفن والثقافة. وفي الواقع كل منظومات الأفكار يمكن أن تتحول إلى مشاريع لتوجيه الواقع والتحكم فيه؛ حتى قضايا حقوق الأنسان وحقوق المرأة والطفل والعمال والشواذ والرفق بالحيوان وحماية البيئة وحرية الرأي. الأيديولوجيا كمفهوم تطور مع الزمن فأصبح ذو وقع سلبي على النفس في ثقافتنا، إذ أصبح يرتبط بوجود جماعة تخطط للوصول إلى السلطة ومن ثم لتفرض أجندتها على الواقع، كما أن أغلب الصراعات والحروب نشأت وتنشأ بين الأيديولوجيات المتنازعة، وكل واحدة منها تدعي أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وتحتكرها لنفسها، وتريد أن تفرضها على الناس باعتبارها الحل الشامل والنهائي لكل مشاكل الحياة. لهذا ترفض الكثير من الجمعيات والأحزاب والمؤسسات المدنية هذا المصطلح وتنفيه عن نفسها، كما أنها تخفف من لهجتها في كل مرة يتم محاصرة رموزها إعلاميا وثقافيا متبعين منهج التقية والعمل السري والعمل الإنساني انتظارا للتمكن. لقد أثبتت الأيديولوجيات الأحادية فشلها في أغلب الأحيان، وإذ ما حققت نجاحا معينا في مكان ما فإنها في مرحلة لاحقة تخفف من قبضتها نحو إتاحة المزيد من الحريات، لذا لا بديل عن التعاون والمشاركة والتنوع في التعامل مع الواقع وإدارته الإدارة الأمثل. وهنا تشكل المجالس الشعبية والنقابية والجمعيات العمومية ضمانة لتحقيق هذا التنوع في الحكم والإدارة، ومنع السلطة الانفرادية. وبدون ذلك يكون المستقبل مخيف إلى حد كبير.