معالجة أولى
على تخوم المناطق الفاصلة بين أنظمة الأفكار والعلوم المختلفة تعيد الأيديولوجيا تنشيط نفسها بقوة لتكرّس وتعزز الحدود الفاصلة بينها. في مناطق التخوم هذه يزداد التداخل وتشتبك الموضوعات والمفاهيم بحيث يصبح التمييز بين الثنائيات أمر صعب بدون تدخل أيديولوجيا الفصل التي لاشك أنها تقتات بشكل وآخر من عملية الفصل هذه. أقيس ذلك على الفصل بين المذاهب الدينية والفكرية، والفصل بين الأحزاب السياسية، بل وحتى الفصل بين فروع العلم المختلفة. تقوم الأيديولوجيا بتقسيم فجّ ومتكلّف للمفاهيم، وتكرّس ذلك عبر الممارسات والفعاليات الاجتماعية والتنظير العلمي. ليس من السهل الكشف عن خواء وبؤس هذا الفصل والتقسيم إذ يحتاج إلى أن نصطدم بالفشل مرات ومرات حتى نتوصّل فعلا إلى ضرورة استبدال نموذج التقسيم الثنائي بطيف المفاهيم والمعارف والموضوعات. غير أن الشيء المؤكّد والحتمي أن أيّة أيديولوجية تقوم بهذا العزل الصارم للعلوم والأنظمة الفكرية مصيرها الموت والتلاشي مهما طال بها الزمن، لأنها تعمل ضد إرادة التاريخ والواقع.