علامة ثالثة
عندما تستنفد طرق التعبير عن المعاني يتجه الانسان إلى توليد اللامعنى، والذي سيتسم بالغموض؛ حتى في السلوك. اللامعنى يُعبّر عن اليأس والرفض وانهيار النظام الجامع للأفكار والمصالح. لحظة اللامعنى تثير شهية الإنسان لممارسة العنف؛ على نفسه أولا ثم على الآخر، وشكل العنف سيعتمد على الثقافة التي تشرّبها الإنسان. كما ستكون هذه اللحظة تمهيدية لإحداث منعطفات تتفاوت في الشدة والأهمية في حياة الفرد أو الجماعة. إن أكثر الحروب ناتجة من اللامعنى. تفقد السياسة أو النظام الاقتصادي والاجتماعي المعنى فينتج عن ذلك الصراع. وفي نفس الوقت أيضا؛ كثير من الإبداع يولد في لحظات اللامعنى، حيث تؤدي الرتابة في تفاعل المعاني القائمة إلى حالة من السأم والملل بحيث لا يستطيع الإنسان توليد أفكار جديدة، فيُستهلك المعنى القديم حتى النخاع، وهنا لا بد من أن يوجد فاصل زمني من اللامعنى تمهيدا لولادة إبداع جديد. نحتاج إلى اللامعنى أحيانا لإحداث النقلة النوعية التي تقنع الإنسان في فترة زمنية معينة، ومن لا يصل إلى هذه اللحظة ولا يدرك حاجته إليها فهو انسان ليس لحياته معنى. تردُّد اللامعنى ودورته هو ما يكسب الانسان المعنى، كالأكل؛ لا يكتسب طعما ونكهة معينة إلا إذا غاب ذلك الطعم وتلك النكهة. يجب أن يمر الإنسان بلحظات يكون بلا معنى؛ بلا طعم ولا نكهة. لحظات يكون فيها أقرب إلى اللاوجود من الوجود. الكثير من السلوك والمواقف حولنا تكون بلامعنى؛ بلا قيمة ولا هدف ولا غاية، فهي لا تصنع تأثيرا ولا تترك انطباعا، ونحن ننتقدها على ذلك، ونطالب الإنسان أن يحمل المعنى في كل ما يفعل. ونغفل تماما أن اللامعنى يدفعنا باتجاه المعنى، والمشكلة عندما ندركه في الآخر ولا ندركه في الأنا. أي نستطيع أن نشاهد اللامعنى في الآخرين فننقدهم عليه برغم أنه خير لهم، وفي نفس الوقت ننفيه عن أنفسنا في الوقت الذي نحن أحوج إليه. يجب أن نجد في الدنيا ما نسخر منه وفي نفس الوقت يجب أن يوجد في أنفسنا ما يسخر منه الآخرون، ولا يجلب السخرية كما يجلبها اللامعنى.