لحظة ثانية

دقيقة قراءة

التعاطي العاطفي مع قضية ما يجعل الشخص موظفا لدى هذه القضية. يحمل أجندتها ويقاتل دونها دون أن يلتفت إلى أن ما تحمله القضية من مصداقية تزيد أو تنقص حسب تغير الظروف من حولها. نقيض ذلك هو التعاطي المبني على الفهم والاقتناع والتعقل؛ حيث يظل الشخص على مسافة من القضية أو الموضوع أو الفكرة. مسافة أمان كتلك التي يتركها قائدوا السيارات في الشوارع تساعدهم على امتصاص المفاجآت. التعاطي العاطفي لا يمكن أن يترجم القضية في الواقع إلا على شكل أيديولوجيا حزبية أو مذهبية تبحث عن الأتباع وتفرض نفسها فرضا، أما التعاطي المتعقل فلديه خيارات أكثر في ترجمة القضية في الواقع إذ يسهل تحويل الفهم والاقتناع إلى معرفة قابلة للنقل والتبادل والمشاركة، ويكون المطلوب هو البحث عن الشركاء وليس الاتباع. التعاطي العاطفي يكون بالتعصب للآباء والأجداد، أو للأشخاص والقبيلة والدين عموما، كما يتولد من الحب والاندماج مع أحداث ومناسبات تحقق إشباعا عاطفيا وقبولا اجتماعيا، وفي أحيان كثيرة يكتسب التعاطي العاطفي من وجودة سلطة فوقية متعالية وغيبية تسيطر على عقل الشخص وتضيق خياراته. أما التعاطي المتعقل فهو في الغالب مرحلة لاحقة يتولد من توالي الصدمات والفشل الناتج من التوظيفات العاطفية المتواصلة. هذا التعقّل أعلى درجة وأكثر تلاؤما وانسجاما مع حاجات ومتغيرات الواقع. لذا نحن بحاجة لمن يصدمنا في أنفسنا وعواطفنا أكثر من أولئك الذين يزينونها لنا. بحاجة لمن يرينا الفراغات.