لحظة الاستثناء

دقيقة قراءة

الاستثناء انعطاف حاد عن مسار مشترك. صدمة تعيد الدهشة للمألوف وتكسر الجمود. ما إن أقول: "كلّهم إلا أنا"؛ فأنا أشير إلى شيء يتمرّد على سياق. هذا يستدعي في الأصل وجود مشترك يصنع رابطة قديمة يُراد كسرها بالاستثناء. ذلك المشترك هو وحده ما يعطي المعنى للمستثنى. لا معنى لهذه الجملة لو فصلت الأنا عن الكلّهم تماما. الاعتيادي هو الصهارة التي تذيب كل الاختلافات. المستثنى يبتعد كلما حاول الاعتيادي تطويقه. عند الاستثناء تبدأ عتبة الانقسام. أنا حالة خاصة، أو نحن لنا خصوصيتنا؛ كلتا العبارتين تدشنان عنوانا جديدا يحاول الانفصال عن عنوان قديم. أنت مختلف، أنت لست غيرك؛ هنا تبدأ الذات تكتشف نفسها. يبدأ الوجود مع الاستثناء. الأصل ينبت فرعا جديدا، والفرع يحاول تخليص نفسه لكي لا يقع في معضلة الاعتيادي. لهذا كلنا نريد أن نكون استثنائيين؛ نريد أن ننسى الرابطة مع الاعتيادي. حتى لو كان نسيانها التام سيدخلنا في العبث والعدم. الاستثناء يخلق توترا وارتباكا بين السائد والمستثنى. تظل الهزّات تتكرر بينهما، فإما أن تزول الفوارق والتمايزات، أو يصبح الصراع أبديا. حالة الشدّ والجذب بين الاعتيادي والاستثنائي هي نواة الاستثناء. وما إن تنتهي وتتلاشى حتى يفقد المستثنى بريقه. الاستثناء يدخل في ظواهر كثيرة جدا؛ اجتماعية أو طبيعية أو نفسية. القومية والعنصرية والتفوّق والطبقية والاحتلالات والتطوّر والأنانية والابداع؛ كلها إفرازات لأشكال متراكمة من الاستثناء.