ضوء وعتمة

دقيقة قراءة

مما وجدت أن الإنسان الذي يتماهى مع ذاته أولا ويتلمّسها شيئا فشيئا فإنه أقدر على أن يعيش فكرة الروح المطلق في داخله حتى لو أنكر وجودها. على العكس من ذلك الذي يريد أن يصل إلى المطلق بعيدا عن ذاته، فإن ما يصل إليه لا يتعدى الإجلال الخاوي لهذا المطلق، وللوجود المترتّب عليه. الاتصال بالمطلق يبدأ من داخل الذات ويتجلى في الوحدة أكثر مما يتجلى في الكثرة، وفي تمثّل المطلق داخليا أكثر من الخضوع له، وفي الاستقلال الذاتي عنه أكثر من التبعية له والحاجة إليه. لهذا أستطيع أن أقول وبكل ثقة أن أي إيمان بمطلق ما أو بإله منفصل قبل الغوص في أعماق الذات واكتشاف حقيقتها؛ هو إيمان فارغ لا نفع منه ولا عائد. إن هكذا إيمان يتحول في مرحلة لاحقة إلى علاقة أفقية تجبر الفرد على أن يفرض مطلقه الوهم هذا على الآخرين، على العكس من أولئك الذين يعيشون حالة المطلق في ذواتهم فإنهم أكثر قدرة على فهم الآخر وتقبله كما هو. تلمّس الذات يأتي عبر اختبارها في المواقف والصدمات، وتذوّق حريّتها، ومحاولة استخراج أعمق ما فيها من مشاعر وتصوّرات. الذات الأقرب للمطلق ستكون ذاتا شفّافة، والأبعد ستكون ذاتا معتمة.