شفافيّة
من أصعب اللحظات أن تكون عاريا أمام نفسك. بمعنى لا تجد مبررات تلتمس فيها العذر لها وتحافظ على كبريائك في المواقف التي تتخذها. نحاول أن نتعلم دائما من أخطاءنا لئلا نمر بهذا الشعور، ولئلا نمارس ما يجعلنا نحتقر ذواتنا. لحظات الضعف تلك تظل راسخة بقوة في المخيلة وتدفعنا دفعا لعدم تكرار نفس الأخطاء. أن تكون عاريا أمام نفسك يعني أن لا يوجد لديك سلاح تدافع به عنها. من لم يجرب مرة أن يكون ضعيفا أمام نفسه لن يكون قويا أمام الآخرين. تشتبك تلك اللحظة مع لحظة الحاجة إلى ما ليس عندك؛ هناك حيث يفقد الإنسان جزءا مهمّا من كيانه وحقيقته كإنسان حر ومستقل، فيكون عاريا أمام نفسه. عند تلك اللحظة تتم معظم تجارب استلاب الإنسان وتجنيده وإعادة برمجته لخدمة مشاريع الأيديولوجيات المختلفة؛ بما فيها الخضوع للسلطة التي تحرص على أن تبقيه مجرد رقم من الأرقام. تصوير الإنسان ككائن ضعيف وتضخيم النقص الفطري الذي لديه؛ استراتيجيات مستخدمة بكثرة في مجتمعاتنا، وتهدف بشكل أساسي إلى إيهام الإنسان بأنه دائما محتاج إلى شيء ما، وأن عليه أن يقدم تنازلات من ذاته ليشبع هذه الحاجات التي تم مسبقا تضخيم أهميتها ودورها. وهكذا يعيش طول حياته يجري وراء من يشبع حاجاته، ومع هذا الجري يبذل ويهدر إنسانيته. هو في الحقيقة لا يفعل سوى أن يكشف عن نفسه أكثر. يستمر في ذلك حتى يصبح عاريا تماما. هناك من يستفيق على إثر الصدمات المتراكمة، وهناك من يخسر ذاته فعلا ويغرق في الأجندات. كيف يستقل الإنسان بذاته ويدرك حاجاته كما هي؛ مهمة ليست بالصعبة، ولكنها تحتاج إلى مناخ عام يشجع أن يحب الإنسان أسئلته ويعمل على احتضان ذاته والإقتراب منها.