زهد التفوّق

دقيقة قراءة

يمكن النظر للزهد في الحياة كشكل من أشكال العدمية. لو أخذنا فكرة العدمية كتحلل للمعنى بالحياة؛ فإنها ستدفع باتجاه أن يكون الإنسان مقلا في الحياة؛ عابرا خفيفا عليها؛ قليل الحرص على ما فيها. ترتبط العدمية بقوة بموضوعات ما بعد الحداثة في السياق الأوروبي، حيث العدمية تمثّل الخلاص من قبضة الحداثة الماديّة التي أرهقت الإنسان واستهْلكته في العمل والتملك والاستهلاك؛ للدرجة التي أصبح الإنسان نفسه بضاعة خاضعة لحركة السوق، وللدرجة التي أصبح الانسان تهديدا لكوكب الأرض. الزهد قد يأتي أحيانا من مبررات دينية؛ كتضحية بمتاع الدنيا رغبة في نعيم الآخرة. ولكن الفكرة لا تكتمل في ظل التكالب الذي يحوّل خطابات الزهد إلى خدعة تسقط كمطر خفيف فوق رؤوس الفقراء لصالح الأغنياء. لهذا تكون العدمية أحياتا تمرّدا على الدين؛ الذي يتحوّل ألى أداة رأسمالية لاستلاب الانسان. ترتبط التقليلية بشكل وثيق بإدراك الإنسان ووعيه بأن الحداثة بأدواتها الهائلة من تقنيات ودول وجيوش ومصانع تستلبه وتجعله قيمة ورقما وشيئا خاضعا للتبادل والمقايضة. الدين ضروري هنا؛ وهو يحث على الزهد وعدم الاستسلام الكلي لرغبات النفس في التملك والشح. كذلك الفلسفات الروحية التي أوجدتها العدمية كمخارج من العدمية نفسها؛ وهي تدفع بضرورة احترام كوكب الأرض وحب الطبيعة وحماية البيئة والتدوير والتقليل من الإستهلاك. كل هذه التوجيهات تعمل على تحرير الإنسان من قبضة الماديات التي تستهلك إنسانيته وتجعله غافلا عن تلك الروح التي تجعله كائنا متفوقا، وخصوصا عندما يهب هذا التفوق للحياة وينسى أنه متفوق.