الفراغ كمشروع

دقيقتان

للفراغ مفهوم خطير عند إميل سيوران. تكتشفه في الكثير من كتاباته، ولكن في "المياه كلها بلون الغرق" يبدو وكأن سيوران يريد نحت مفهومه العجيب عن الفراغ في لاوعي القراء. الفراغ عند سيوران هو ما يقع بين امتلائين. في لحظة الامتلاء يفقد الإنسان حريّته. الحرية عند سيوران لا تولد إلا في الفراغ، وهي التي ستدفع الانسان إلى ملء هذا الفراغ، وشيئا فشيئا سيفقد الانسان حريته مع تزاحم المحتوى الذي يضخه في الفراغ القديم، إلى أن يفقد شعوره بالحرية. وهنا ولكي يستعيد حريته المسلوبة فعليه أن يعود إلى لحظة الفراغ ليعيد ولادة نفسه. يدخل سيوران هنا تقنيات كثيرة لاستعادة لحظة الحرية المنسية: الملل، نسيان الانجاز، استعادة الله من الأديان، تنمية الخوف، استعذاب الشعور باليأس، ملازمة الحانات، العيش مع المجانين، تجديد الحسرات، إيقاظ الشعور بالشفقة على الحياة. وهكذا يحاول سيوران أن ينقلنا إلى منابع الفراغ، فلا يوجد مثل الامتلاء ما يقتل الإنساني فينا.

مع الفراغ؛ يرى الانساني أنه آخر شيء مهم في الحياة للحياة. شيء يشبه اللغة وهي تراقب تكسّرها في نطق الأطفال، أو المحاريب وهي تنظر بابتسامة إلى أخطاء المصلين في صلواتهم. الفراغ كمشروع نجده في الورد قبل تفتحه، وبعد ذبوله. أي قبل أن يكتسب القيمة، أو أن قيمته أصبحت في الأثر المنسي. يرفض ‏الإنساني أن يرى نسخه فقط من حوله، وهو في الوقت نفسه لا يرى في الإنسانية مذهبا أو معتقدا أو أي محتوى معرفي أو ثقافي، بل ولا حتى نوعا من أنواع الحياة الأخرى. فالفرق بينه وبين الضفدع ليس أكثر بكثير من الفرق بينه وبين والده أو ولده. ما يخشاه الإنساني ليس أن تكون له حدود؛ ولكن أن تكون الحدود وحدها ما يعرّفه. لأنه ينتمي لكل شيء، وكل شيء ينتمي له. وعندما يُطلب منه إبراز هُويته؛ يقدّمها كتحصيل حاصل لا أكثر. فقد كان يمكن لذرّاته أن تكون بخارا نجميا في آخر المجرّة. هذه ليست عدمية؛ بل هي التثبّت في الانسانية. خطّة الوجود أن نكون طارئين لا أكثر، وما تشبّثنا بهذا الوجود إلا لأن ما ننساه أهمّ بكثير مما نتذكره. ففي اللحظة التي أنظر فيها للفرصة التي تمنحني حياة أكثر، سأركض إليها ناسيا أنني ممتلئ بالهباء. الإنساني من ينسى الفرصة ويتذكر أن التثبّت في الوجود يتحقق أكثر عندما لا يكون قلقا أن لا يكون موجودا.