الأيديولوجيا والوطن
نحن نصعد وننزل داخل الأيديولوجيا. نصعد حتى نصبح منافحين حتى الموت ولا نكاد نرى أنفسنا من شدة ما نحن ذائبين داخل منظومة الأيديولوجيا، وننزل حتى لا يكاد يُعرف لنا طريق أو صديق، ونصبح أقرب للهباء الذي لا يجد طريقا للتجسّد. شيء ما يجذبنا للأعلى، وشيء ما يطلب منا النزول. ربما الوطن هو ما يحرّكنا داخل هذه الذبذبات، ولكن إلى أي مدى حدود هذه الوطن حاضرة داخل وعينا؛ وبالتالي يحدد كيف نتحرّك في عوالم التيّارات والفلسفات؟ يجب أن يكون الوطن نظاما مغلقا لكي تزدهر الأيديولوجيات داخله. فهل الوطن مغلق؟ الوطن مستوى مجرّد؛ لا نكاد نشعر به إلا وهو متشكّل في دولة أو حكومة أو مؤسسة كبيرة، وربما حتى في قريب أو صديق أو حبيب.
الأيديولوجيا هنا ستخبرنا عن الزمان أكثر مما تخبرنا عن المكان، والحركة داخلها رهن لمفاعيل أخرى غير الشعور بحجم الانتماء إلى وطن؛ أشياء من قبيل التعميمات والبنى المعرفية والعلاقات بين الأفكار وأحيانا الصور النمطية. حالة التردد والتفاوت داخل الأيديولوجيا (الأيديولوجيا السائلة) تعني أنها مدخل لاستيعاب التغيّر والاختلاف، على العكس من الوطن الذي لا يفترض أن نختلف حوله. لكل شخص أسبابه ومبرّراته في الحركة والتغيّر؛ والتي يمكن أو لا يمكن أن تقنعنا، ولكن الوطن سيكون الواحد الذي يجمع المتفرقات. كل الحوارات والاصطفاف والاستقطابات (المشاريع) لا يفترض أن تكون لها علاقة بالانتماء للوطن. ربما في أسوأ الظروف ستكون ذات مفعول ضعيف للغاية في حب الوطن.
من أسباب تخلف المجتمعات هو منظومات الأفكار المسيطرة التي تعمل على تقسيم الناس وتصنيفهم وفق معايير خارجة عن إرادتهم. فعندما يتم تصنيف الناس إلى صالح وفاسد حسب درجة إيمانهم بدين ما أو بمذهب فكري ما أو بمبادئ عامة ومثالية لحزب ما، فهذا تمزيق للمجتمع وتلغيم للسلم الأهلى فيه، لأن الإيمان بمبدأ فوقي معين ليس خيارا مبسوطا يمكن لكل شخص أن يتخيره بسلاسة وأريحية. البديل هو اعتماد معايير واقعية نابعة من القدرات الحقيقية للناس في الإلتزام وتحقيق هذه المعايير. مثال ذلك الفعاليات المدنية والخيارات السياسية. بل وحتى مع هذه المعايير يجب الحذر ممن يحاول أدلجتها لتقسيم الناس إلى مستويات حسب درجة انتماءهم لحزب ما أو جماعة معينة. نهوض المجتمعات رهن بدرجة التناغم والانسجام الداخلي بين أفراده حتى في اختلافاتهم.