الغاية والاتزان
ينزع الإنسان للمزيد من الابتعاد عن الإنسان، ولكنه لا يستطيع بسبب كثرة النقائص فيه. يحاول أن يستغني ما أمكنه عن حاجة الناس، ويميل لتوفير كل ما يحتاجه أو يستطيع عليه في بيته. يفعل ذلك أحيانا لأجل أطفاله؛ حتى لا يكتسبوا عادات النظر إلى ما في أيدي الغير. هذه الميل والنزوع إلى الاستغناء عن الغير أكثر ظهورا في المجتمعات الحديثة، وهو وإن كان يسهم في معالجة الكثير من الأمراض التي تعرفها المجتمعات العضوية القبلية من حسد ونميمة ومحسوبية وتسلّق؛ غير إن نتائجه خطيرة مالم يتم تعويض النقص الروحي الذي عادة ما يأتي من الوجود في جماعة. لهذا تنتشر في المجتمعات المتقدمة فكرة الجمعيات التخصصية والحلقات ذات الأهداف النفسية والنوادي والمؤسسات الداعمة للحياة المعنوية. يتم تأسيس نمط من العلاقات قائم على المشتركات لا على الحاجات. هناك نقطة اتزان صفريّة يمكن عبرها ضبط هذا التجاذب بين الحاجة للآخرين والاستغناء عنهم. يمكن أن نلاحظها في الهوس الشديد بما أسمّيه الغاية النهائية. لو نجحنا في ضبط هذا الهوس فسنكون أقرب إلى الاتزان فيما نحتاجه من الآخرين. الغاية النهائية هي ذلك المجهول البعيد جدا والذي يرسل رسائل غامضة تشدّنا إليه شدّا، ليتحول إلى مسار قهري يضيق مساحات المناورة لدى الإنسان في رحلته إليه. التوقف قليلا عن النظر إليه والإنشغال باللحظة الحالية يكسب الإنسان مزيدا من الفرص والخيارات للفحص والتجربة، ويعطيه نفَسا أطول في التفاوض مع الحياة بحثا عن أنسب وأفضل طريق يوصل إلى تلك الغاية المطلوبة بالفطرة.