التواضع في الوعي
يمكن لمفردة "الوعي الكلي" أن تعني تلك القابلية على إلقاء نظرة واسعة على الواقع، وتضمين عدد كبير من المتغيرات بما يصنع إدراكا وفهما شاملا للتناقضات والعلاقات بين هذه المتغيرات (الأفكار، البشر، المؤسسات، المعايير). هكذا شخص يمتلك وعيا كليّا يذيب فيه أكبر قدر من الروابط؛ سيكون أقدر على معرفة ما يجري في حقيقة الأمر، وغالبا ينتبه إلى ما لا ينتبه إليه الآخرون من دوافع ومبررات وغايات تصنع التدافع البشري والصراعات الاجتماعية. فالشخص صاحب الوعي الكلي؛ يحاول أن يجعل من موقفه لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وضعها بعين الاعتبار، لهذا فمقاومة رأيه واكتشاف الخلل فيه ليس بالأمر السهل؛ بسبب شمولية رأيه والمدى الواسع الذي يراه. تبقى المشكلة مع هذا الإنسان صاحب الوعي الكلّي أنه يكون أكثر بطئا في الحركة كلما اتسع وعيه وضمّن متناقضات أكثر. حذره يزيد، ويتأخّر في مواقفه، وغالبا ما يكون مثبِّطا ومحبَطا في نفسه، بحيث يصبح وعيه عالة عليه. فقد يكون الشاب الغرّ الذي ما يزال في مقتبل عمره، وحجم ما يدركه من الحياة متواضع جدا أمام وعي هذا الخبير صاحب الوعي الواسع؛ إلا أن هذا الشاب يكون أنفع لنفسه ولواقعه باندفاعه في رفع الظلم وسعيه الغريزي لجعل الحياة أفضل. ففي المقابلة بين الوعي الواسع وبين الوعي الضيّق لا نستطيع أن نصنع مفاضلة حقيقية في تحويل الوعي إلى برامج ومؤسسات وفعاليات. لا بدّ إذن من أمر آخر إضافي يجب أن يُضاف للوعي الكلي؛ ليجعله وعيا عمليا يمكن أن يتحرّك بفاعلية وخفّة. أكاد أن أرى هذا الأمر في "التواضع"، وفي النسيان اللحظي لهذا الوعي الشامل، لصالح أشكال إجرائية من الوعي. بمعنى أنه لا بدّ وفي لحظة معينة أن نقاوم ذواتنا العارفة، ونقنعها بأنها جاهلة، لكي تتخذ موقفا عمليا يتوازى مع سرعة تدفّق الأحداث. فالوعي الشامل لا يكفي لصنع الإنسان الناضج؛ ما ينقصه هو البراءة التي تجعله يبدو يافعا كثير الأخطاء بالرغم من خبرته الطويلة. باختصار؛ الانتقال من الوعي الكلي إلى الوعي العملي.