الأنا البعيدة
هل لديك رغبة في أن تكون مؤثرا في الواقع؟ هل لديك هاجس بذلك؟ هل يحركك ذلك للفعل الاجتماعي؟ أم أنك تعيش ذاتيّة خالصة أو تكاد في نشاطاتك المختلفة (تلبية دعوات، كتابة، فعاليات، تبليغ، حوارات، …)؟ بصياغة أخرى: هل تحب أن تكون محاطا بأكبر عدد من الأصدقاء والمهتمين؟ هل يشغلك أن ترى أثرا منك في الآخرين؟ هل الإقناع لديك شكل للتمدد والانتشار أم فقط إلقاء حجة؟ هل يدور في عمقك فكرة أن تكون في يوم ما قطبا (بالمعنى الصوفي)؟ هل تستطيع فعلا التفكير ولو للحظة أن تعيش وجودك كشيء مرميٍّ لا ضرورة له وفي نفس الوقت تتحرك هنا وهناك؟ باختصار؛ هل تستطيع أن تستغني عن نفسك؟ لا أظنّ ذلك. ولكن لعلّ من الأفضل أن تكون أنواتنا بعيدة. بعيدة جدا. السؤال هنا سيصبح عن ذلك الشيء الذي يجعلنا دائما مشغولين بالأبعد منا! ما إن تستقر بمكان معين أو بلحظة زمنية ما حتى لا يعود فكرك مشغول سوى بما هو أبعد من ذلك المكان أو تلك اللحظة! أكثر من ذلك؛ عندما يصبح نفس ما كنا نطلبه بالأمس، لم يعد كذلك عندما وصلنا إليه. السؤال سيكون: ما هو هذا الذي يريد التمدد في كل الاتجاهات، ويريد احتواء الكون كله وضمّه إلى مملكته؟ الشاعر يفعل ذلك، والموسيقيّ يفعل ذلك أيضا. العالِم في مختبره والرياضيّ في رياضته والمتعبّد في محرابه؛ جميعهم يطلبون الأبعد. حتى الطفل. ويبدو أنه حتى بعض الحيوانات كذلك. ما الذي نريده من ذلك البعيد؟ من أين يأتي كل هذا الفضول؟ ولماذا تحديدا في تلك اللحظة؛ يصبح الفيزيائي موسيقيا، والفقيه صوفيا، والفيلسوف شاعرا، والطفل مبدعا؟ تلك هي الأنا البعيدة.