عن فضيلة كلمة “رُبّما”
تخيّلتُ فيما مضى أن أتتبع استعمال كلمة “ربما” في (1000) ساعة صوتية من مواد يوتيوبية لمحاضرات يمكن تصنيف مقدميها إلى: فلاسفة، رجال …
*محمد العجمي
ما إن ينطرح مثل هذا السؤال؛ حتى يتبادر إلى الذهن مجموعة من الناس يجتمعون بطريقة وأخرى في ظل قلق مزعج بسبب تهديد مستمر، ويتصوّرون أن أغلب الطرق من حولهم مسدودة؛ ما خلا طريق واحد لا غير؛ يجب أن يسلكه الجميع مدفوعين بغريزة البقاء. هناك مفارقة عجيبة في هذا التصوّر؛ يُلفت إليها الفيلسوف الإيطالي أغامبين في معرض تعليقه على جائحة كوفيد ١٩، حيث يؤكد على أن الثقة وعدم الثقة يجتمعان في نفس الوقت في الوضع الاستثنائي. الخوف الفردي يستحيل إلى اطمئنان جماعي، ولكنه يظل ينخر باستمرار في هذا الاطمئنان [1]. هذه المفارقة هي ما تصنع الهشاشة الداخلية التي يشير إليها أغامبين؛ وهو يربط عمق الخوف من جائحة فيروس كورونا المستجد بتواضع الخيارات التي أمامنا، والتي تدفعنا دفعا للتضامن، والتفكير معا؛ كيف ننجو من هذه الجائحة؟
نستطيع هنا أن نتخيل مستويات من النظر لاستكشاف واقع هذه النجاة التي نحن مشغولون بالتفكير فيها، وهذه المستويات تتطلب عدة أدوات للتفكير والتحليل. لا ينفكّ النوع البشري عن طرح مثل هذا السؤال في الكثير من أحواله؛ وخصوصا في المنعطفات التي تأتي على شكل كوارث وأوضاع استثنائية تعصف بالجميع. والنجاة هنا تعني سلسلة القرارات التي نتّخذها كجماعة وتكون محصّلتها تجاوز المنعطف والظرف الاستثنائي بأقل خسائر ممكنة. في هذا المقال؛ ما أروم فعله هو محاولة استطلاع خمس تصوّرات مفاهيمية تعبّر عن اهتمام العمانيين بالسؤال عن النجاة من هذه الجائحة، وفي الجملة؛ ستمثّل هذه التصوّرات المفهوم التداولي العام للنجاة من الكارثة في سياق المشهد العماني؛ معتمدا في هذا الرصد على تحليل عيّنة قمت بانتقائها عشوائيا بحسب وصولي إليها أولا. المادة التي سأفحصها هي المتداولة حول الجائحة في عدد (٤٣) حساب نشط في التويتر، وعدد (٢٧) مدوّن في الفيسبوك، بالإضافة إلى المواد التي نشرتها ثلاثة صحف عمانية هي عمان والوطن والرؤية، والتي بلغ عددها (165) مادة تنوّعت بين البيانات الحكومية وتقارير الفعاليات العامة حول الجائحة والأخبار اليومية ذات الصلة ومقالات الآراء والتحليلات التي يكتبها الكتاب العمانيون، وكذلك بعض النصوص الشعرية المنشورة حول الحادثة. كل ذلك خلال الفترة من بداية مارس ولغاية نهاية أكتوبر ٢٠٢٠.
التصوّرات المفاهيمية الخمسة التي سأركّز عليها، وأحاول البحث عنها بشكل وآخر في عيّنة الفحص، هي: القيم الجديدة لمرحلة ما بعد الجائحة، والعلاقة بين الموت والحب، ومعاني العودة إلى الحياة الطبيعية، وفكرة نهاية العالم، وأخيرا التفاعل مع السياسات والمبادرات. هذه التصوّرات الخمسة تشكل في مجموعها أشكالا للتفاعل مع فكرة النجاة من الجائحة، ففي الأولى سيغلب النظرة العملية العقلانية في مفهوم النجاة، والتي ستعني الانشغال مقدما في القيم التي ستغيّرها الجائحة داخل المجتمع، وبالتالي الاستعداد لوضع اجتماعي جديد؛ يجعل فكرة النجاة في قلب الممارسات القيمية الجديدة، بحيث تصبح القيم الجديدة هي محتوى النجاة التي نتحدث عنها.
التصور المفاهيمي الثاني سيكون عن العلاقة بين الموت والحب، والمعنى فيه هو لفحص مدى حضور الجانب الوجودي والشعوري في التعالق بين الفقد والموت والحب؛ على الأقل في الكتابات النثرية والشعرية للأدباء والكتّاب العمانيين. إلى أي مدى ترتبط الكارثة في المخيال العام بإعادة الولادة والشحن للحياة؟ وهل فكرة أن الحب كحياة يكمن في كل فقد وخسارة نمرّ بها؛ حاضرة في الذهنية العامة خلال هذه الانعطافة من تاريخ العمانيين؟ في التصور الثالث أحاول رصد أي معنى نعطيه لفكرة العودة إلى الحياة الطبيعية؛ ماذا تعني هنا الحياة الطبيعية؟ ما هي فكرتها؟ ما مجالاتها؟ وما الذي يتمناه الناس هنا تحديدا عندما يتحدثون عن العودة؟ أما التصوّر الرابع فهو حول الفكرة التشاؤمية التي تعني النهاية؛ نهاية كل شيء. فهل هذه الديستوبيا حاضرة في المتداول العماني؟ وفي أي شكل تحضر؛ أدبي؟ فني؟ علمي؟ وماذا تعني في جملتها بالنسبة لفكرة النجاة. التصوّر الخامس عن التفاعل مع السياسات والمبادرات، وهنا أحاول رصد كيف تفاعل العمانيون مع السياسات والمبادرات التي تقودها جهات رسمية أو غير رسمية لتجاوز الآثار السلبية للجائحة.
أولا: القيم الجديدة لما بعد الجائحة
يمثل التفكير في القيم الجديدة بحسب أهم أشكال التفكير العملي عند محاولة إسقاط الحاضر على المستقبل [2]، فهل ما بين أيدينا من قيم في العمل والتعاون والتواصل والثقة والتسلية والعناية والتضامن؛ ستستمر في عالم ما بعد الجائحة؟ أم أن هناك قيما جديدة ستظهر ويجب بالتالي أن نستعد لها ونتكيّف معها؟ قدرتنا على التنبؤ بهذه القيم العملية الجديدة وبالتالي التكيّف معها؛ هي في النهاية أحد المعاني للنجاة التي نتطلّع إليها. وقد استطعت أن أحدد ست قيم رئيسية تم تداولها في وسائل الاتصال الاجتماعي والصحف المحلية، في صورة تفكير عملي عقلاني يتبناه الكثير من الكتاب والمدوّنين في وسائل الاتصال الاجتماعي. وفيما يلي هذه القيم مع عرض لكيفية ورودها في عينة الفحص:
كان من الواضح جدا أن هناك وعي بوضع استثنائي يمرّ به الوطن، ويستدعي بالتالي طرائق تفكير جديدة، والاستعداد لأوضاع معيشية مختلفة؛ كل ذلك في ظل تفاؤل عام بأن القادم سيكون أفضل. غير أن هذا الوعي ظل محدودا ضمن الحاجات الأساسية من المعيشة، وأيضا ضمن النطاق المحلي. حضور القيم العالمية الجديدة كان متواضعا في الفضاء العماني. التخطيط الحضري الذي بات من الضروري أن يستجيب للمتغيرات في قيم الصحة الشخصية، وقيم العمل الجديدة. كذلك الحديث عن إصلاح سلاسل القيمة في الصناعة والتوريد، وما يتبعه من نهاية بعض الوظائف واستحداث وظائف جديدة. الجائحة كذلك دفعت بالحديث عن التغير المناخي إلى الواجهة من جديد، وهذا سيشمل الحركة والتنقل داخل المدينة ووسائل النقل والتنقل بالدراجات. ارتفاع أهمية الاتصالات خلال الجائحة دفع بالكثير من الشعوب للمطالبة بأن تكون هذه الاتصالات من الحقوق الأساسية للناس، وخصوصا مع تؤثر به عليهم في طرائق التعليم والترفيه والتواصل.
ثانيا: العلاقة بين الموت والحب
هناك تعالق رمزي بين الموت والحب؛ يجعل كل واحد منهما شكلا للآخر. كل واحد منهما يمثّل انعطافة شديدة في الحياة. ولعلّ أفضل من عبّر عن ذلك هو ماركيز في "الحب في زمن الكوليرا"؛ عندما أكّد هذا التعالق الوجودي الذي يجعل من الفقد والموت بيتا للحب، والذي سيعيد الحياة من جديد إلى الواجهة. بل كلمة "كوليرا" نفسها في جذرها الإسباني تعني أيضا الرغبة الشديدة، وقد استفاد ماركيز من ذلك ليجعل الكوليرا تعبيرا عن المرض وعن الرغبة في نفس الوقت [3]. يصبح الحب هنا كاستئناف للحياة. يتجلّى ذلك بقوة في العلاقة فيما بين الأفراد، ولكنه يتجلّى أيضا في العلاقة بين الانسان وأرضه أو وطنه. فما يصيب الوطن من أزمات وكوارث وفشل؛ ينعكس تلقائيا على أبنائه. فالإنعطافة التي يمرّ بها الوطن بسبب الفقد والخسارة تتحوّل إلى وقود من الحب يوقظ كل غرائز الحياة لإعادة كل ما خسره الوطن بسبب الجائحة. حاولت هنا أن أستطلع كل ما يمكن أن يشير إلى هذه العلاقة في عيّنة الفحص. بطبيعة الحال؛ كلمة الموت هنا ستشمل ما يشير إليها من مرادفات؛ كالفقد والخسارة والإخفاق. أستطيع أن ألخّص ما وجدته في التالي:
ثالثا: معاني العودة إلى الحياة الطبيعية
لوهلة سيبدو هذا السؤال على النقيض من المفهوم الأول عن القيم الجديدة، فما دمنا نتحدث عن قيم جديدة وحياة مختلفة؛ فلن يكون هناك شيء يمكن أن نسميه حياة طبيعية قادمة. ولكن ما دفعني للتركيز على ذلك هو أمر آخر، فالعودة التي يتحدث عنها الكثيرون تعني ضمنيا تململ الناس من استمرار ظروف الإغلاق والتباعد وتقليل الحركة، أو أن هناك اعتقاد بحدوث تراجع للوراء، وانتكاسة أدّت إلى نتائج سلبية كثيرة، وبالتالي يصبح من الطبيعي جدا السؤال عن العودة إلى الحياة الطبيعية. كثرة الاشارة إلى ذلك؛ يتطلب فحص معنى هذه العودة. فهل المقصود بها فعلا عودة الوظائف والأجور مثلا كما كانت، وفتح الحدود بنفس السياسات السابقة، وعودة الناس إلى ممارسة هواياتهم وعاداتهم في الدين والتسوّق والتسلية والعائلة تماما كما كانوا في السابق؟ أم أن هناك إدراكا ووعيا بأننا ندخل مرحلة تاريخية جديدة بمتغيّرات جديدة ويجب أن نستعد لها؟
كلمة "الحياة الطبيعية" هنا مضطربة مفاهيميا؛ إذ لا يوجد محدد واضح لها في المتداول اليومي، فلا يكاد يوجد نمط واضح في استعمالها. فهي عودة الوظائف لمن خسر وظيفته، وفتح الحدود لمن تعطّلت لديه سلسلة التوريد أو حركة عمّاله، وعودة الحركة اليومية لمن تأثّرت أعماله وتجارته، وعودة الزيارات واللقاءات مع الأقارب والاصدقاء كما كانت. وهكذا فلكل شخص مفهومه الخاص عن الحياة الطبيعية، غير أن هناك كسل عام يمكن أن أشير إليه؛ تجاه تحديد رؤية محددة لمعنى المستقبل الذي نريد أن نكون فيه. فالاستعمال لا يغادر منطقة التراجع للوراء وبالتالي يأتي السؤال: متى ستعود الأمور إلى حيث كانت. ولكن ما وراء الواقع الجديد القادم؛ ليس متداولا عموما؛ إلا ما ندر. يمكن تفسير ذلك على أكثر من وجه، ولكن لأن هذه الظروف الاستثنائية تمثل فرصة للكثير من الأمم والشعوب لاستباق الفرص وصنع المستقبل المطلوب، فتصبح الحاجة ملحّة لتثوير مفهوم غير اعتيادي عن العادة وعن الحياة الطبيعية.
يمكن هنا أن أشير إلى بضع ملاحظات يمكننا التدخّل من خلالها؛ بغرض إعادة التفكير في الاستعمال اليومي لكلمة "الحياة الطبيعية":
رابعا: فكرة نهاية العالم
ترد هذه الفكرة في سياقها التشاؤمي العام الذي يتحدث بلوغ النهاية، ووقوع الأسوأ ولا يوجد ما نستطيع فعله أكثر من الاستسلام، فالأمور بلغت من السوء حدّا لا يمكن تخيّل وجود أي حل أو منفذ للحل ولا حتى الأمل. بطبيعة الحال؛ هذه الفكرة دائما لا ترد إلا في سياقات أدبية وفنية سينمائية. وقد عادت عالميا للواجهة بأكثر من شكل؛ مع بدء هذه الجائحة. هناك الكثيرون ممن يطرح أن هذا هو قدر الرأسمالية الأخير؛ تحويل البشر إلى مجموعة من المسوخ (الزومبي) الذين فقدوا أي حس إنساني وباتوا مستلبين تماما لغرائزهم وللأنظمة الفوقية التي تطحنهم وتحرص على بقائهم راثعين في وعي ضيّق للغاية لا يتعدّى دائرة حاجاتهم الأساسية؛ فكرة الآلة التي يصنعها الانسان لتتحكم به في نهاية المطاف. هذا الطرح يعود مجددا، واستعمالي له هنا؛ لمعرفة إلى أي مدى التشاؤم بالأسوأ حاضر في الذهنية العمانية، وهذا في رأيي مفيد في تقدير مدى الوعي بهذا السيء القادم والذي يجب أن نحذر من الوصول إليه، وتفاديه، أو الاستعداد له في أقلّ تقدير.
جاء استعمالي للفكرة على حذر؛ على اعتبار أن التشاؤم ليست ثيمة جادة في الواقع الخليجي لحدّ الآن [4]. وبالتالي إلى أي مدى يمكن استعمالها في قياس الوعي بالواقع الجديد للنجاة. كما أن فكرة نهاية العالم؛ تمثّل موضوعا لمقاومة التحكّم في الواقع، وهذا يتعدّى دائرة وطن أو إقليم؛ لأن التحكّم موضوع عالمي؛ أنظمة ومؤسسات دولية تفرض أجندتها على الشعوب والدول. وهذا خارج نطاق اهتمامي في هذه المقال. وما أحاول رصده في واقع الحالي هو في أي سياق يمكن تصنيف التشاؤم في الفضاء العماني. هذا سيعطي مؤشرا بحجم الوعي بخطورة الوضع الحالي، وبالتالي بالتحذير من الأسوأ إذا لم يتم نعيد النظر في جملة من السياسات والعادات التي تحكم واقعنا اليوم.
يكاد يكون التفاؤل السمة الغالبة عند العمانيين بالمقارنة مع التشاؤم [5]. وقد كان جليّا ذلك في عينة الفحص في هذه المقال، إذ يكاد لا توجد مادة واحدة في الصحف المحلية الثلاثة أوردت آراء أو كتابات تشاؤمية، وما خلا بعض الحسابات بوسائل الاتصال الاجتماعي؛ فليس من السهل رصد هذا التشاؤم مكتوبا؛ حتى على الرغم أنه حديث شبه يومي فيما بين الناس. بطبيعة الحال؛ من باب أولى لن يكون هناك أي حديث عن فكرة نهاية العالم أو المجتمع الديستوبي. لا أريد أن أخوض في تفسير ذلك، ولكن ما يهمني هنا هو أن هناك معرفة عن أية نجاة نتحدث ونحن نتفاعل مع جائحة بحكم فيروس كورونا المستجد.
ربما سأعترف هنا بأني أرى في التشاؤم قوّة خلّاقة تضع الانسان على حافة الخطر، وبالتالي يجب أن يتوقف عن الأحلام الوردية، ويتعامل مع الواقع باعتباره كارثيا إلى أبعد مدى ممكن، وبالتالي يجب أن نستعد للأسوأ، والتفكير جديا في النجاة؛ ليست كعودة إلى الحياة الطبيعية؛ بل كواقع جديد يجب أن نتعامل معه بأساليب وسياسات وعادات مختلفة. استفزاز غرائز البقاء هو ما يجعلها متوثّبة ومصرّة على التمسّك بالحياة، وبالتالي إيجاد أكبر عدد من الحلول الممكنة لاختراق الإخفاقات القائمة. وللوصول إلى ذلك؛ لا بدّ من جرعات من التشاؤم تتخلل الواقع اليومي وتثير بالتالي الهمم نحو بناء واقع أفضل. طبعا؛ هذا لا يجب أن يجعلنا نغفل عن الجوانب المظلمة في التشاؤم، ولكن إلى أن نتجاوز التخدير الذي يبثه محتوى التفاؤل؛ فالأفضل لنا أن نتشاءم. فالتشاؤم يعمّق الحاجة إلى الاعتراف بالأخطاء والبدء في التفكير جديّا في معالجتها.
خامسا: التفاعل مع السياسات والمبادرات
الفكرة في هذا رصد هذا التفاعل هو لتقدير عمق الجانب العملي في فكرة النجاة؛ وإلى أي مدى يوجد شعور حقيقي بأن مثل هذه المبادرات هي في الأصل محاولات لصنع الواقع الجديد الذي نسميه "برّ الأمان" او "النجاة". وأنا هنا أحاول أن أستطلع أية استجابات مباشرة أو غير مباشرة في عينة الفحص لأسئلة من قبيل: هل أنت مستعد لتنفيذ التوجيهات الحكومية لمواجهة تبعات انتشار فيروس كوفيد ١٩؟ هل ستتبرع لصالح أي صندوق حكومي أو مبادرة رسمية لمواجهة تداعيات الوباء العالمي؟ هل أنت مستعد للتضحية براحتك ورفاهيتك وعاداتك المحببة من أجل مصلحة الجميع؟
ومن خلال تتبع الردود والتعليقات والتغريدات المتصلة بشيء من هذه الأسئلة، فقد وجدت أنه يمكنني حصرها في الأنماط التالية:
من الواضح جدا أن التفاعل مع السياسات والمبادرات الرسمية وغير رسمية يتطلب قرارا أخلاقيا بالدرجة الأولى، ولهذا هناك استقطاب حقيقي؛ ربما يعبّر عن مستوى المسؤولية التي يتحمّلها الأفراد تجاه الوطن. المتغيّرات هنا كثيرة جدا ومتشابكة، بحيث لا نستطيع أن نفاضل أحدا على غيرهم. يميل الكثيرون لسياسة فتح الملفّات ووضع كل شيء على الطاولة قبل أن يتخذ قرارا بأن يبدي تفاعلا إيجابيا مع المبادرات التطوعية ودعم جهود مواجهة تبعات الجائحة. بينما يميل آخرون للتغاضي قليلا عن الماضي والبدء أوّلا من حل المشكلة القائمة فعلا، حتى إذا انتهت أو ضعف خطرها يمكن أن نفتح الملفّات القديمة.
النقاش العام الذي يمكن ملاحظته ضمن المتداول يمكن إيجازه في المبررات التالية:
وكخلاصة لذلك؛ فإن عيّنة الفحص أظهرت تباينا واضحا في ردود الأفعال تجاه المبادرات التطوعية، وهذا في رأيي يعطي مؤشرا عن وجود انفصال ما بين الشعب وبين هذه المبادرات التي تستهدفه بالدرجة الأولى؛ وخصوصا المبادرات الرسمية. قد يكون من المهم البحث وراء سبب ذلك، ولكنه ليس هدفا لي في هذا المقال.
وأجد في ختام هذا المقال أنه كان بالإمكان أن نحصل على نتائج أكثر دقة فيما لو أدخلنا مستويات أخرى من الفضاء العام ضمن عينة الفحص، بحيث يشمل محتوى الفيديو الذي يبث، والتعليقات على المواضيع المنشورة في الشبكات الاجتماعية، والوسوم التي تصدرت المشهد خلال الجائحة، ومنصّت اجتماعية أخرى غير التويتر والفيسبوك. كما أن الكثير من الأسئلة التي طرحها هذا المقال ما تزال مفتوحة على المزيد من التفاعل بحيث يمكن لباحثين آخرين استعمال مناهج بحثية أكثر صرامة في تحليل المحتوى المكتوب والمتداول عموما.
-----
المصادر والتعليقات:
*نشرت هذه الدراسة في كتاب "عمان في زمن كورونا" الصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء 2022، من تحرير خميس العدوي وشميسة النعماني
[1] Giorgio Agamben, Biosecurity and Politics, A translation of Agamben’s blog, 11 May 2020. (url: https://d-dean.medium.com/biosecurity-and-politics-giorgio-agamben-396f9ab3b6f4)
[2] Slavoj Žižek , Pandemic!. OR Books, New York 2020, p46
[3] Michael A. Peters (2020): Love and social distancing in the time of Covid-19: The philosophy and literature of pandemics, Educational Philosophy and Theory, DOI: 10.1080/00131857.2020.1750091
[4] مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث، تصنيف CSRGULF لأكثر الشعوب العربية تفاؤلاً في عام 2020.
[5] الأنصاري، بدر محمد.، قياس التفاؤل والتشاؤم لدى طلبة الجامعة : دراسة ثقافية مقارنة بين الطلبة الكويتيين والعمانيين، مجلة العلوم التربوية والنفسية. مج. 9، ع. 4، ديسمبر 2008